محمد متولي الشعراوي

763

تفسير الشعراوي

وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 25 ) ( سورة الأنفال ) ويقول شيخنا « حسنين مخلوف » مفتى الديار المصرية الأسبق في شرح هذه الآية : أي احذروا ابتلاء اللّه في محن قد تنزل بكم ، تعم المسىء وغيرهم ، كالبلاء والقحط والغلاء ، وتسلط الجبابرة وغير ذلك ، والمراد تحذير من الذنوب التي هي أسباب الابتلاء ، كإقرار المنكرات والبدع والرضا بها ، والمداهنة في الأمر بالمعروف ، وافتراق الكلمة في الحق ، وتعطيل الحدود ، وفشو المعاصي ، ونحو ذلك . وفيما رواه البخاري : عندما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ويل للعرب من شر قد اقترب . . . » فقيل له : أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : « نعم إذا كثر الخبث » « 1 » . إذن فلا يعتقد مسلم أنه غير مسؤول عن الفساد الذي يستشرى في المجتمع ، بل عليه أن يحذر وأن ينبه . ولذلك نجد أن حكمة الحق قد فرضت الدية على العاقلة ، أي على أهل القاتل ، لأنهم قد يرون هذا القاتل وهو يمارس الفساد ابتداء ، فلم يردعه أحد منهم ، لكنهم لو ضربوا على يده من البداية لما جاءهم الغرم بدفع الدية ، لذلك فعندما تسمع قول اللّه عز وجل : « فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً » إياك أن تقول : لا شأن لي بهذا الأمر لا ، إن الأمر يخصك وعليك أن تحاول الإصلاح بين الموصى له ، وبين الورثة . وقوله الحق : « فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » يعنى عدم إدخاله في دائرة الذين يبدلون القول والتي تناولناها بالخواطر قبل هذه الآية ، بل لك ثواب على تدخلك ؛ فأنت لم تبدل حقا بباطل ، بل تزحزح باطلا لتؤسس حقا ، وبذلك ترطب قلب الوارث على ما نقص منه ، وتقيم ميزان العدل بالنصيحة ، وتسخى نفسه ليقبل الوصية بعد تعديلها بما يرضى شريعة اللّه . إن اللّه يريد إقامة ميزان العدل وأن يتأكد الاستطراق الصفائى بين المؤمنين فلا تورث الوصية شرورا .

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه في الفتن .